حين يتكلم الفن بلهجة الأرض تحولات الإبداع في العالم الثالث

 يُواجه الفن في العالم الثالث، وخاصة في الوطن العربي، إشكالية عميقة تتعلق بإثبات الهوية الثقافية في ظل التغيرات السياسية والاجتماعية المتسارعة، وضغوط العولمة الثقافية. لقد أصبح الفنان في هذه المناطق يقف في مفترق طرق بين الحفاظ على التراث والخصوصية المحلية، والانفتاح على التجارب والأساليب العالمية المعاصرة. هذا الصراع يُولِّد نوعًا من التوتر في الممارسة الفنية، حيث تتأرجح الأعمال بين الأصالة والتجديد، وبين التعبير عن الذات والانجراف نحو النمط العالمي.

منذ العقود الأولى للاستقلال، ظل كثير من الفنانين العرب يسعون إلى تكوين لغة فنية تعكس بيئتهم ومجتمعاتهم، دون الوقوع في فخ التكرار أو الاجترار الفولكلوري. لكن التحدي الأبرز كان في إيجاد مساحة فنية حرة تُتيح التعبير الحقيقي عن الذات والهُوية، في مقابل التأثير القوي للنماذج الغربية التي تُسوق بوصفها "المعيار الجمالي العالمي". في هذا السياق، أصبح سؤال "من نحن؟" سؤالًا فنيًا بامتياز، تسعى اللوحة أو المنحوتة أو الصورة الفوتوغرافية للإجابة عليه.

في دول مثل المغرب، لبنان، أو السودان، ظهر فنانون حملوا على عاتقهم مهمة استكشاف رموز الهوية البصرية المحلية وإعادة توظيفها بأساليب جديدة؛ فكان المزج بين الحرف العربي، الأقمشة التقليدية، النقوش، والقصص الشعبية مع الأساليب الحداثية أداة لإنتاج فن ينتمي إلى بيئته لكنه قابل للعرض عالميًا. وهذا المزج ليس مجرد تقنية جمالية، بل هو فعل مقاومة ناعم، يُعلن رفض الذوبان في الثقافة الاستهلاكية المعولمة.

ورغم هذا، فإن الطريق لم يكن سهلًا. ما زال كثير من الفنانين يفتقرون إلى الاعتراف المؤسسي، ودعم منصات العرض، والانخراط في السوق الفني العالمي الذي غالبًا ما يُقيِّم الأعمال من منطلق غربي بحت. لذلك، فإن العمل الفني القادم من العالم الثالث يُحَمَّل أحيانًا أكثر من طاقته؛ يُتوقَّع منه أن يكون سياسيًا، تمثيليًا، وأن يُرضي فضول المتلقي الغربي عن "الآخر"، بدلًا من أن يُعامل كفن مستقل بذاته.

اليوم، ومع تنامي الحوارات حول ما بعد الاستعمار، والعدالة الثقافية، بدأت تتغيّر بعض ملامح المشهد الفني. هناك تحركات فنية جديدة تُطالب بإعادة توزيع السرديات، ومنح الفن من الجنوب العالمي حقه في التعبير والتأثير دون وصاية. الفنان المعاصر لم يعد مجرد ناقل لرموز موروثة، بل صار يعيد تفكيكها، ويطرح أسئلة جديدة حول الجذور والانتماء.

وبينما تتوسع شبكات الفن المعاصر في المدن العربية والإفريقية، يظهر جيل شاب يُدرك أن الهوية ليست ثابتة، بل هي في حالة تشكُّل مستمر، وأن الفن الحقيقي لا يخشى أن يكون محليًا وصادقًا، حتى وهو يخاطب العالم. ومع توفر المنصات الرقمية، والمساحات البديلة، يُتوقع أن يصبح هذا النوع من الفن أكثر حضورًا وتأثيرًا، ما إن يجد المناخ الثقافي الحر والداعم الذي يستحقه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تمثال “فينوس ويلندورف”الفن البدائي

Luncheon on the Grass [ غداء على العشب ]

الفن الإسلامي والزخرفة النباتية الجدارية